المشاركات

قانون المسبح

قانون المسبح قو انينُ المسابح كثيرة، ولكثرة ما تُمليه من إرشادات، تفتقر لدهشة البحر.  أتذكر جيداً ما قالته ليَ السمراء يوماً: أحب حدود المسبح.  أحب أن وراء ما تراه أمامك من مياه، لا يتوارى المزيد من المياه.  أحب الحدّ المعلوم، وأخشى انفتاح الامتداد تجاه الغموض.  سألتُها: كم أفعى لسعت جسدكِ؟  وكم بحارٍ حاول أن يبيعك "سمكاً بالبحر"؟  أجابتني بصوت أقرب إلى أنّات النائمة: لا أريد وجع المجازفة بعد الآن! لا أريد أن أحاكم نفسي أمام مرآة الحب مرة أخرى.  البحرُ كالحب، يا صديقي، يضعك دوماً على المحك.  تدخل البحر فيقول لك: ارجع، يا بنيّ، من حيثما أتيت، عد إلى شاطئك الذهبي.  ولكننا نحن البشر نصرّ على ألّا ننصِت، بل نحب أن نتعدّى كل قانون.  البحر فوضى العنف اللا-منتهي، وإصراره المتكرر على سحبك نحو المجهول.  البحر قائد عسكري في حرب ستقسم الأرض إلى قسمين: صحراء الرمل مقابل صحراء المياه.  ولا تنسَ أنّ صحراء المياه أيضاً صحراء. البحر، يا صديقي، غدار. **** اوراق الاسكدنيا، على ضفاف البركة، تميل نحو الاصفرار،   تُدير عنقها نحو التراب ال...

حنينٌ لأب!

  حنينٌ لأب! أمشي تحت قمرٍ يتوازن فيه الحضور والغياب، قمرٍ مكتمل الألوان، قمرٍ يقبع في التنافر بين كُحلة التماثل وضياء الفروقات. وهناك تحديداً، بالمسافة التي تفصل القطبين، يكثر التطهّر والاستيلاد. أهرولُ بصحبة كرةٍ دائرية، وأحاول أن أستنطق الحال ولكنّ الكلمات، كالحمام الجالس على أسلاك الكهرباء، أحيانا ما تكون تلامساً دون تماس، وأحياناً أخرى يتداعى الوصل ويحضر التماس. وأصواتُ الصحراءِ عندنا هزّت جزرَ الاستثناء، وأصواتُ الصحراءِ تعوي في وجه الربيعِ الذي غادرها، لأجلِ كل ما كان قبل أن يرحل شتاؤها، لأجلِ كل ما كاد أن يكونَ ولم يكنْ. مأساتها أنّها، ورغم عودة المطر ما زالت تقذف نزيف السماء نحو بحر الموتى. وترفض عودةَ من غادرها، تبصقُه جرفاً وتقول: صحراءُ أنا، وصحراءَ سأبقى. وأنا معلقٌ بين سؤالين: هل انتهت "الخرافة" وتلاشى الشعراء؟! أم أنّ "الخرافة" باتت نبوءةً تستحضر الخلاص؟! **** لم يعدْ للوقت من معنى، سوى تلك المسافة، قبيْل أن تجلسَ على مقعدٍ خشبي وتطرب لإيقاع المسدس، وبعد أن ينشد جسدك المطمئن مغنّاةَ التوقِ للأبِ المعتكف، مغنّاة الحنين لأبٍ يتوارى في أزقة الخيم الاسمنت...

الباب

صورة
تحت ضوءِ مصباحٍ كهربائيّ وبين الجدران الحادّة التي تخفي الأسرار، وخلف الثقبِ الذي يتلصص منه الجار، أغلقُ الباب ورائي، وأتنفس هنا أكون ما أريد أن أكون، هنا أتعرّى وأنزع الأقنعة، أنزعها سريعاً وأعدد تواليها وأبكي أنّ خلف كل قناع ...قناع. دون الأبواب لا شيء يفصل أهل البيت عن الغرباء دون الأبواب، لا شيء يفصلنا عمّن رُمي معنا على المستديرة الزرقاء، لبقينا، دون الأبواب، في جوف المغارة، وانتظرنا أن تخيط العنكبوت بابا. *** الأبواب كثر، باب تُرك مغلقاً بعد أن هجره أهل البيت، تُرك معلقاً يعارك الريح وحدَه، وينتظر عودة المتأخِر! وباب أخر لم يطاوع صفعات الجندِ، وقف مُعانداً توالي الضربات بارتداد الصوتِ: لعلَّ الفريسة تُجيد الفرار، لعلَّ الفريسة تصبح الصياد! هناك إشاعة يتناقلها المنسيون في البحر، أنّ باباً موصداً وَجد مفتاحه. غلقت أبواب أوروبا، ولم تفتح إلا بعد أن أقدم الأبيض على قتل الأبيض. وكم من باب أُوصد في وجه من قاتل لأجل أن تفتح كل الأبواب. وكم من حرٍّ صنع من الجدار باباً، ومن خطاطيفِ الأسلاك الشائكة مفاتيحاً للعصيان، الأبواب كثر، ولكن أكثرها مأساوية هو "الباب الدوار"، وأكثرها تفكر...

جزرنا

  جزرنا لا ساحلَ يزيّن جُزرنا،  ولا أمواجَ حتى ترثي حُبيبات الرمل على ضفافها. جزرنا بلا موانئ، وبلا سماء مزينة بأضواء الأجرام البعيدة،  جزرنا جدران رمادية مطرزة بنقوش من سبقونا.  لا أشجار حتى نلوذ بأحشائها. ولا حتى كوة ضيقة نختبئ بجوفها.  صحراء هي جزرنا...صحراء الوقت، وصمت يتركك على ضفاف الجنون.  يا الله!  لماذا أجد نفسي عارياً على الاسفلت؟  والوحوش أعلنت قيام مملكة العزل والعزلة.  والوحوش راهنت على أن لقاءنا مع أنفسنا يتلوه امواجٌ من الكلام. وكل ما هناك أنا والجدران، أنا في صمت الظلام،  لوحدي...لوحدي... لوحدي أنا وكل ما يدور في رأسي:  أنتِ. رأيتك هناك وأنا أهذي:  رأيتك تبتسمين وانتِ تناغين قلبَ طفلنا الذي لم يأتِ بعدُ.  رأيت جسدكِ، يا حبيبتي، رأيته يناجي الوقت،  يصرخ على عادية الظلام، ويفقؤ أعينَ الجار.  رأيتك وأنا معلّق على خشبة حزينة، رأيت فيكِ ما لا أشاء أن أقول.  هل أبوح سريَّ؟ أم أصبرُ صبركِ؟ وقلت لنفسي وأنا استحضر صمت الحجر: ما الانسان الا ما لا يقول! تهاوى قارب على شاطئٍ في الكاريبي. كاد ان يغرق كروز...

لي أخٌ

لي أخٌ كادَ أن يكون، وُلد دون لغة، ودون خطايا. أخبرتني أمي أنه تحوّل إلى عصفور. وأنا لم أبكيه، ولم أبحث عن مهده بين القبور. لو كنتُ عصفوراً لكنتُ الوصلَ بين ألسنة الأرضِ.   لو كنتُ عصفوراً لكنتُ المسافةَ بين متاهات الحرشِ ومدارات السماء.   لو كنتُ عصفوراً.. لأذبتُ أجنحة النحل وأخبرتهنّ ألا يهبنَ "ملكة الطوائف".  لو كنت عصفوراً لامتنعتُ عن امتلاك الحوافّ التي تمنح الهاوية هوّتها..  لو كنتُ عصفوراً، لأردتُ أن أُبصر الهوّة كأفق، وأن أفرشَ على فضاءات الكوّة الزرقاءِ أجنحتي.. لأردتُ أن أصافح القمر، وأن اندفع تجاه ضياءه دون عقل يدلل على المحال.. لأردتُ الّا أتعلم كيف أحيا، تعلماً، والّا يكون "الموت" "والآخر" مدرستي.  فالعصافير لا تتعلم كيف تحيا، ولا تشتهي الشيء الذي أتشهاه، العصافير فقط تكون! لا أدري لماذا؟  ولكني ما رغبت هندسة البشر في حدّ الزوايا.  لا أدري متى؟ ولكني رغبتُ مرقدا في بحيرة مسورة بأعمدة من السحب. وحين التفّت أفاعي المخاض على عنق أخي، تعلمتُ ألا أسأل أميَ عن الموت.   وأبي بكى أخي وحدَه أمام قبرٍ لا شاهدَ له،  رقد بجانب...

سؤال الأحياء

  سؤال الأحياء لم يتسنَّ لبائع الخبز أن يستنطق الممكن، انشغل برائحة العيش، وكرر المغنى على مسمع الفرانِ،  لم يعد يقاتل الا على تكرار الإيقاع... الا على حراسة انتفاخ العجين قبل الفجر بقليل.  والخبز لا يدرك أنه عجن من قمح لم يُحصد في البلاد،  الخبز لا يدرك أن اللقمة تحاصر الكلام. والفمُ توقف عن اختبار لا-نهائية الأصوات الممكنة، تجده يُبربر دون أن يُفهم، دون أن يقول.  تجده يلهو بسيجارة، أو يقسو على طفل لم نستأذنه قبل أن نمنحه الحياة.  يشير الفمُ بإصبعه نحو شجرة، يظن أن الإشارة هي إيذان امتلاكه للجذور.  يؤشر على كل الموجودات...على كل المخلوقات...على كل ما يترآى في العين كصورة.  يؤشر لعله يسبق إشارة القادمين من البحر لتسمية البلاد. ينسى أن إصبعه قد بتر حين حاول بالسكين أن يطحن الطحين. هكذا تتشكل "الأنا" في زمن العيش والحُمة: ((النأي، الحذر، البعد، الخوف، حفظ المسافات، الانشغال بطحن المطحون، والاحتماء خلف الزجاج والابواب المسدودة)) الغضب شهيق لا يستدعي زفير، نحبسه في صخرة الجسد،  ونكبل وسعه على التحول إلى لغة... إلى فعل أمر! يعشعش فينا حتى التعبِ. ...

الحبُ هوّةٌ واستحالة

صورة
  تركتُ بعضاً من الزمنِ على المنفضة، وقلتُ لها: الحبُ هوّةٌ واستحالة. بركانٌ انطفأت حِمَمُه، تاركاً وراءه جذمورٌ وفراغْ. الحبُ تمردُ الوقتِ على الوقتِ، وانتفاضُ الأرجلِ في سيل اللحظات. يدفعنا نحو الهوّةِ دون صراخٍ، يدفعنا نحو رحىً تتلهف طحنَ ما تركناه من لهاثْ لهذا "نقع بالحب"..، ولهذا لا نصعد به. الحب هوّة واستحالةْ، استحالة التوحد مع آخر...واختلاق السراب منه مرآةً لأحلام حين تتحقق تغدو هزلا ًومزاحاْ، والنهاية: خطايا وبكاء! تركتُ بعضاً من الزمنِ على المنفضة، وقلت لها: في الهوّة ما يرغبنا ونرغبه، أليس ما نتوق إليه بحق أنْ يرغبنا شيئٌ ما؟ والحقيقة هي أنه بعد أن نكون، ما يتوق لنا بحقّ هو ألا نكون، وبينهما ثغرة، هي الحياة. الحب هوّة واستحالةْ، "وطنجرة لا تلقى غطاءَها"، الحب هو: "أن تقترب للاكتمال ولكن ألّا تكتمل"، أن يكون الغطاءُ واسعاً بعض الشيء، أو ضئيلا بعضاً آخر، وبين المسافات التي تفصل الحِفاف تكمن قوة الاندفاع. الحب هوّة واستحالةْ، والانسان خطيئةٌ، ولكنّ أكبرَ الخطايا هو ملل الاكتمال!

"صوتك بنعس"

  قد يكون المستطيل أكثر الأشكال الهندسية التي ترافق توالي الأيام ومللها منذ أن حل الزائر الصغير المتحول (الفيروس). هناك مستطيلات الموت التي تتبارى أمامي على من يُراكم نصيبا أعلى من رسائل التعزية. زارنا الموت بكثافة، موت سريع ومتوالي ومكثف، يتراءى أمامي ويتلاشى بعد أن أخط على الكيبورد إحدى القوالب المعروفة للتعزية: "لروحه السلام"، "عظم الله اجركم"، "فلتبقى ذكراها"، وهلما جرى من جمل مُعدة مسبقا لإشهار وإظهار تضامنك مع الآخر في لحظة الفقدان. هناك أيضا مستطيل رمادي كبير وآخر أسود صغير أتحدث من خلاله مع دوائر الحياة المختلفة: دائرة العمل، ودوائر الأصدقاء، ودوائر العائلة من الصغرى إلى الكبرى، ودائرة أرسمها حول نفسي خوفا من التورط بالآخرين، أشيد على محيطها "سنسله" قصيرة وخطاطيف من الزهر البنفسجي التي تنمو على هياكل "البصل" البارزة. لا يرقد جسدي بمركز الدائرة ولا على مسافة متساوية من محيطها المُزين بالبنفسج، بل يناور بحسب هوية الزائرين. أحيانا أفتح إحدى البوابات وأدخل أحدهم ليرافقني قليلا، قبل ان أكشحه من الفقاعة صارخا في وجهه وهو يغادر "ي...

لما لا!

لم أكن أدركُ أن في همسات الأرض حكاية عن دودة حفرت أنفاقها ودهاليزها بعد أن أكلت لحم آدمي عاش ودُفن في أحشائها. لم يتسنَ لي أبدا أن أتأمل صعودي إلى أعالي السماء مرتين، إحداهما على متن طائرة بوينغ تُسمم الهواء، وأخرى بينما كنت أغفو جاثيا على ركبتي ومنصتا لنكات المسلحين. لم أكن أعلم أن للسماء طبقات وأن الوصول إلى مداها النهائي عودة إلى الفراغ. هكذا أنا لم أكن اعرف أن للأفلام ما هو ظاهر فيها وما هو باطن فيها، وأن العبرة ليست فقط في سرد الحكاية ولكن بمزاج اللحظة التي نتلقى بها حركة الشاشة. ببساطة كنت دوماً منهمك في هذا وذاك ولم يتسنَ لي أن أهدأ قليلا، أن أتروى. أدركت في غفلة أنني أحتضر، وبدا لي أن النهاية أقرب من البداية. كنت أحيانا أحدق في شريط حياتي، هذا الذي ندعوه ماضيا، أتأمل الفتى الذي حاول التمرد على كل القوالب. الطفل الذي لم يكتفِ باللغة لأنها ببساطة ليست إلا الكلمات التي تلحق بالأشياء... الطفل الذي كان يمشي في الأماكن المُخصصة لسير السيارات.. والطفل الذي كان يُصدر الأصوات حين تطلب المُعلمات الهدوء التام. أذكر مرة أطلق عليّ أحد المثقفين لقب "صبياني" لأني اقترحت التبول على ...

ما زلنا

ما زلنا ما يُخيفُني بحق ليس النهاية، فهي مفتوحة وقد يتبع إسدال الستارة حرارة التهليل، او نقدٌ يلوم المخرج على رداءة التمثيل. لا اخاف حين يغافلني الفجرِ أو اولِ الكلام حين يلقى الحديد، ما يقلقني قليلا ان ابوح، بعد التعبِ، سرَ الحبيب. ولكن ما يخيفُني أكثر: ان القى الخوف وحيدا، وان لا أجد حولي من أبصر خوفي فيه. يتسارع جسدي بين سكون الجدرانِ، لا ملائكة تغيث جسدي الليلة سوى كبسولة وحيدة على المنضدة وأخرى ذابت بين حرارة الضلوع. أتأمل مدارات القلب (تسارع ومن ثم تباطؤ) ايمكن لكبسولة ان تُسكن درب التائه القلِق؟ وأن تجبل من نياط القلبِ فؤادا؟ ام انها، فحسب، تطيل الطريق إلى التراب؟! أدعو إلى غرفتي شاشة، أضع وهجها امامي، لا أنام إلا على أصواتها ولا أصحو إلا على موسيقاها.. شاشة هي امتدادي وشاشة هي قدم أخيل، وقلق امي يتراءى امامي كنظرة، وأحيانا اخرى كصورة، او نسخة عن صورة. ما أثقل الشاشة حين يتوارد على أضواءها قلق أُم لا تعلم كيف تحرس ابناءها! ---------- أقول لنفسي: ما يخفيني بحق أني على علنٍ خبئت اسراري. لم أر شاشة تتوب عن ذنوبها. لم أر شاشة تتضرع: "رب السماوات والأرض، يسمع ويجيب".. ما يخ...

تموت الفكرة؟!

شبح الفكرة (١) تنتحر الفكرة أحياناً، تبهت حين لا تُقنع وتفنى. تخونها اللغة، فتجف كنهر كف عن التدفق. او كجسر خشبي لم يتسع للعائدين. ترتبك الفكرة، كراقص أدرك ثقل حركته قبل ان يطير، او كلاعب فقد شهية انتصاره قبل ان يُسدد. تتهاوى الفكرة، حين لا تعانق اللحظة، تنسلُ من وشاح الزمن وتفقد القدرة على مناغاة القلب! للأفكار موعدها مع الموت، كالشجرة التي تخفي هلاكها لوهلة حتى لا يلمح الحطاب خراب العروق فيها. (٢) ستأتي الريح، تشتد قريباً، سيأتي الخريف مثقلا باصفراره وحسرة المواعيد التي لم تكتمل، سيأتي تشرين ويتبعه تشرين، وسنبقى مع أسفنا على كل ما لم يكن.. على قُبلة داعبت أجسادنا ولم تعد مفرحة  وقتما تبددت، وعلى البيوت التي هجرناها تلك المقامات التي أهملناها وحيدة تركناها  لفعل الدهر فيها وفينا. لزائرين جدد  يعبدون شمس "صهيون". (٣) كدنا ان نكتمل حين لبسنا رداء المشيئة كدنا ان نملك الزمن، وان نلتئم كدنا ان نُحيى الموتى كتعويذة إيزيس لحبيبها. خبأنا بين أضلاعنا مُفتاح الحياة واعتقدنا لوهلة ان كل أيامنا ربيع، وبين البؤس الذي كان والبؤس الذي يعتري خبز المدينة يقبع "الزمن الجميل" ينشدنا...