رسالة إلى صديقي الذكي
ا ذكر تلك اللحظة الأخيرة حين التقت أعيننا، وكانت ملامحك غارقة في ألوان الهزيمة، شاحبة وغاضبة، تحدق بالعالم دون أن تتلقاه، دون أن تشعر به. أذكر حينها أنك كنت شاحبًا، وقاسيًا معي على وجه الخصوص، فقد كنت تحملني ثقل تلك الهفوة التي بقيت عالقة في أنفاسنا، ولم تستطع أن تثق بي مرة أخرى. وفي لحظة صمت، تمتمت لنفسي: 'كلنا أشرار في قصة أحد، وأنا كنت الشرير في قصتك.' ما أقسى المرآة التي ترفض أن ترى نفسك فيها، وما أشد قسوتها حين تكون تلك المرآة رفيق دربك. كانت كلماتك ثقيلة حينها، تكاد لا تُقال: 'احنا رايحين على هزيمة، ومش لازم نوهم حالنا بالانتصارات… الانتصار صار بعيد، بعيد كثير.' ثم نظرت إلى الأرض وكأنك ترى البيوت، تلك البيوت التي لم تعد تقف، تنزلق كما تنزلق بيوت الإسمنت في أعماق تربة غزة التي حولتها قنابل الطائرات إلى فوهات، وجعلتها البلدوزرات غبارًا. وقلت: 'شو اللي ضل نقاتل عشانو؟ غزة صارت عل الأرض.' لم أكن أتوقع منك هذا الصدق الجارح، وكأنك كنت توجه غضبك نحوي مباشرة، فأخذت تقذف الكلمات بحدة، دون تردد: 'وشو الأمل اللي بتحكي فيه؟ كنتُ مذهولًا من وضوح حديثك في تلك اللحظة...